الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

80

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قولهم حين يشرعون في بيان أحكام دينهم ، كما يقول القاسم : هذا لفلان ، وهذا للآخر . وأجمل ذلك هنا إذ لا غرض في بيانه لأنّ الغرض التّعجيب من فساد شرعهم ، كما تقدّم في قوله تعالى : فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا [ الأنعام : 136 ] وقد صنّفوا ذلك ثلاثة أصناف : صنف محجّر على مالكه انتفاعه به ، وإنّما ينتفع به من يعيّنه المالك . والّذي يؤخذ ممّا روي عن جابر بن زيد وغيره : أنّهم كانوا يعيّنون من أنعامهم وزرعهم وثمارهم شيئا يحجرون على أنفسهم الانتفاع به ، ويعيّنونه لمن يشاءون من سدنة بيوت الأصنام ، وخدمتها ، فتنحر أو تذبح عندما يرى من عيّنت له ذلك ، فتكون لحاجة النّاس والوافدين على بيوت الأصنام وإضافتهم ، وكذلك الزّرع والثّمار تدفع إلى من عيّنت له ، يصرفها حيث يتعيّن . ومن هذا الصّنف أشياء معيّنة بالاسم ، لها حكم منضبط مثل البحيرة : فإنّها لا تنحر ولا تؤكل إلّا إذا ماتت حتف أنفها ، فيحلّ أكلها للرّجال دون النّساء ، وإذا كان لها درّ لا يشربه إلّا سدنة الأصنام وضيوفهم ، وكذلك السائبة ينتفع بدرّها أبناء السّبيل والسدنة ، فإذا ماتت فأكلها كالبحيرة ، وكذلك الحامي ، كما تقدّم في سورة المائدة . فمعنى لا يَطْعَمُها لا يأكل لحمها ، أي يحرم أكل لحمها . ونون الجماعة في نَشاءُ مراد بها القائلون ، أي يقولون لا يطعمها إلّا من نشاء ، أي من نعيّن أن يطعمها ، قال في « الكشاف » : يعنون خدم الأوثان والرّجال دون النّساء . والحرث أصله شق الأرض بآلة حديديّة ليزرع فيها أو يغرس ، ويطلق هذا المصدر على المكان المحروث وعلى الأرض المزروعة والمغروسة وإن لم يكن بها حرث ومنه قوله تعالى : أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ [ القلم : 22 ] فسمّاه حرثا في وقت جذاذ الثّمار . والحجر : اسم للمحجّر الممنوع ، مثل ذبح للمذبوح ، فمنع الأنعام منع أكل لحومها ، ومنع الحرث منع أكل الحبّ والتّمر والثّمار ، ولذلك قال : لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ . وقوله : بِزَعْمِهِمْ معترض بين لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ وبين : وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها . والباء في : بِزَعْمِهِمْ بمعنى ( عن ) ، أو للملابسة ، أي يقولون ذلك باعتقادهم الباطل ، لأنّهم لمّا قالوا : لا يَطْعَمُها لم يريدوا أنّهم منعوا النّاس أكلها إلّا من شاءوه ، لأنّ ذلك من فعلهم وليس من زعمهم . وإنّما أرادوا بالنّفي نفي الإباحة ، أي لا يحلّ أن